الحكيم الترمذي

34

كيفية السلوك إلى رب العالمين

على أن المسموع الذي يحمله إنما هو حجة اللّه على النفس وهو يشتري به الدنيا ويستغني به عن الدين الذي هو أنفع له ، ولا يعمل به حتى يكشف اللّه له من العلم النافع ، وروي عنه عليه السلام أنه قال : « من عمل بما يعلم أورثه اللّه علم ما لم يعلم » « 1 » . ثم اعلم أن القلب لا غاية لغور بحاره ولا عدد لكثرة أنهاره ، ومثل الحكماء في البحار كالغوّاصين ، ومثلهم في الأنهار كمثل السقّائين والصيّادين ، فكل يستخرج ويجد منها على قدر ما يرزقه اللّه منها . فمنهم من يكشف له من جواهر معرفة عيوب الدنيا وسرعة انقلابها وكثرة غرورها وقلة ثباتها وتعجيل زوالها ، ويكشف له من معرفة مكائد الشيطان وأصناف وساوسه . ومنهم من يكشف له من طريق معرفة مراتب أهل التقوى ودرجات أهل العلم ومكارم الأخلاق وحسن معاملة الخلق عند مساويهم واحتمال الأذى والسخاوة بالدنيا والإيثار على نفسه كائنا من كان وخوف النار ومحاربة الشيطان ومجاهدة النفس ومخالفة هواها ومتابعة الرسول وأصحابه والتمسك بالسنة . ومنهم من يكشف له من طريق التحدث بنعم اللّه وذكر آلائه ودفع بلائه وكثرة عطائه وجميل ستره وطول حلمه وعظيم عفوه وسعة رحمته وما أشبهها من هذا النوع . ومنهم من يكشف له من طريق مشاهدة ما سبق له من اللّه في أزليته وقدمه من ذكره إياه ومن حسن نظره إليه واجتبائه واختياره واصطفائه ولطائفه السابقة . ومنهم من يكشف له من طريق مشاهدة الحقائق من أفعال الربوبية ، فيشاهد آثار قدرته في الأشياء كلها وجميل صنعه وما أشبه هذا الجنس . ومنهم من يكشف له من طريق مشاهدة عظمة اللّه وجلاله وكبريائه وعظم قدرته وحقارة قدر خلقه في جنب عظمته ورؤية فقر الخلق وضرهم وفاقتهم وحاجتهم إليه وقوته وغنائه عنهم وسعة خزائنه وكفايته وحسن عنايته في أمورهم . ومنهم من يكشف له من جهة رؤية التوفيق وحلاوة المعرفة والمحبة ورؤية عصمته إياه من الضلالة والكفر والأهواء . ومنهم من يكشف له من طريق مشاهدة فردانيته ووحدانيته فقط ، حتى لا يرى في سره معه غيره ، فيتلاشى قدر من دونه في سره حين يشاهد اللّه جل جلاله ، فيرى قدمه وكماله وبقاءه ، ويرى حدوث الخلق وفناءهم .

--> ( 1 ) أورده المناوي في فيض القدير ، حرف السين [ 4 / 388 ] وأورده غيره .